فصل: الحديث الحَادِي وَالسِّتُّونَ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث الحَادِي وَالسِّتُّونَ:

رُوِيَ أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «إِذا توضأتم فَلَا تنفضوا أَيْدِيكُم؛ فَإِنَّهَا مراوح الشَّيْطَان».
هَذَا الحَدِيث أنكر بَعضهم وجوده، وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا فلنذكر أَولا مقالاتهم ثمَّ نبين مَا يسر الله بِهِ علينا فَنَقُول: قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْمُهَذّب: حَدِيث «إِذا توضأتم فَلَا تنفضوا أَيْدِيكُم» لم أجد لَهُ أصلا، وَهَكَذَا جمَاعَة اعتنوا بِالْحَدِيثِ. وَقَالَ: قد ذكر بعض الْفُقَهَاء فِي آخِره «فَإِنَّهَا مراوح الشَّيْطَان» وَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط: حَدِيث «لَا تنفضوا أَيْدِيكُم» لَا صِحَة لَهُ، وَلم أجد لَهُ أَنا فِي جمَاعَة اعتنوا بالبحث عَن أَمْثَاله أصلا، وَزَاد بعض الْفُقَهَاء فِي آخِره «فَإِنَّهَا مراوح الشَّيْطَان». قَالَ بعض المصنفين: هَذَا شَيْء يُوجد فِي كتب الْفِقْه، وَلم أظفر لَهُ بِأَصْل من كتب الحَدِيث.
قلت: واعجباه من هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة حَيْثُ لم يَجدوا لَهُ أصلا، وَمن ابْن الصّلاح كَيفَ يَقُول: وَزَاد بعض الْفُقَهَاء فِي آخِره «فَإِنَّهُ مراوح الشَّيْطَان»! وَقد رَوَى الحَدِيث بِطُولِهِ إمامان جليلان مشهوران بِزِيَادَة فِيهِ.
أَحدهمَا: الإِمَام عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم؛ فَإِنَّهُ ذكره فِي كتاب الْعِلَل- وَمَا أَكثر فَوَائده- من حَدِيث هِشَام بن عمار، عَن البخْترِي بن عبيد، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «إِذا توضأتم فأشربوا أعينكُم من المَاء وَلَا تنفضوا أَيْدِيكُم من المَاء؛ فَإِنَّهَا مراوح الشَّيْطَان».
الثَّانِي: الإِمَام أَبُو حَاتِم بن حبَان؛ فَإِنَّهُ أخرج فِي تَارِيخ الضُّعَفَاء فِي تَرْجَمَة البخْترِي بن عبيد، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «إِذا توضأتم فَلَا تنفضوا أَيْدِيكُم فَإِنَّهَا مرواح الشَّيْطَان».
وَذكره الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ فِي كِتَابه تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب بِإِسْنَادِهِ إِلَى هِشَام بن عمار كَمَا أخرجه ابْن حبَان سَوَاء وَسكت عَلَيْهِ، وَهُوَ عَجِيب؛ فَإِنَّهُ ضَعِيف بِمرَّة، كَمَا صرح بِهِ غير وَاحِد من الْأَئِمَّة.
قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: هَذَا حَدِيث مُنكر، والبختري ضَعِيف الحَدِيث، وَأَبوهُ مَجْهُول. وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان: البخْترِي بن عبيد بن سلمَان ضَعِيف الحَدِيث ذَاهِب، لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ، إِذا انْفَرد فَلَيْسَ بعدلٍ فقد رَوَى عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة نُسْخَة فِيهَا عجائب. وَقَالَ ابْن عدي: رَوَى عَن أَبِيه قدر عشْرين حَدِيثا عامتها مَنَاكِير مِنْهَا هَذَا الحَدِيث، وَمِنْهَا «الأذنان من الرَّأْس».
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: البخْترِي ضَعِيف، وَأَبوهُ مَجْهُول. وَقَالَ الْأَزْدِيّ: كَذَّاب سَاقِط. وَقَالَ أَبُو نعيم الْحَافِظ: رَوَى عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة مَوْضُوعَات. وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي كِتَابه التَّذْكِرَة فِي الْأَحَادِيث المعلولة بعد ذكره: لَا يحل الِاحْتِجَاج بالبختري إِذا انْفَرد. وَقَالَ الْحَافِظ شمس الدَّين الذَّهَبِيّ: أنكر مَا رَوَى عَن أَبِيه هَذَا الحَدِيث. وَذكر هَذَا الحَدِيث الْحَافِظ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه الْعِلَل المتناهية فِي الْأَحَادِيث الْوَاهِيَة وَنقل فِيهِ مقَالَة ابْن حبَان الْمُتَقَدّمَة وَحدهَا، وَقد أخرج ابْن مَاجَه فِي سنَنه للبختري بن عبيد الْمَذْكُور.
قلت: وَلم ينْفَرد بِهِ البخْترِي؛ بل تَابعه عبيد الله بن مُحَمَّد الطَّائِي وَإِن كَانَ مَجْهُولا عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ ابْن طَاهِر فِي كِتَابه صفوة التصوف وَترْجم عَلَيْهِ: السّنة فِي مسحهم أَعينهم من بَلل الْيَد وكراهيتهم نفض الْيَد. ثمَّ سَاق من حَدِيث أبي الْحسن بن حجر الْعَسْقَلَانِي قَالَ: كنت مَعَ جدي لأمي فِي وَلِيمَة فِيهَا مُحَمَّد بن المتَوَكل بن أبي السّري، فَقدم الْغسْل يَعْنِي ليغسل النَّاس أَيْديهم للطعام، فقدمه الْخَادِم بَين يَدي ابْن أبي السّري، فَقَالَ لَهُ ابْن أبي السّري: قدم بَين يَدي الشَّيْخ- يَعْنِي جدي- فقدمه وَغسل يَدَيْهِ ونفضهما فَقَالَ لَهُ ابْن أبي السّري: لَا تنفض يَا أَبَا فلَان! حَدَّثَنَا عبيد الله بن مُحَمَّد الطَّائِي عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «إِذا توضأتم فأشربوا أعينكُم المَاء وَلَا تنفضوا أَيْدِيكُم؛ فَإِنَّهَا مرواح الشَّيْطَان». فَقَالَ لَهُ جدي: فِي الضَّوْء وَغَيره؟ قَالَ: أعده عَلّي ابْن ابْنَتي لنحفظه. فَأَعَادَهُ عَلّي فَحفِظت فَعلم بِهَذَا كُله أَن الحَدِيث مَوْجُود فِي كتب الحَدِيث مَعْرُوف وَإِن كَانَ ضَعِيفا، وَالْإِنْكَار إِنَّمَا وَقع فِي وجوده وَفِي زِيَادَة بعض الْفُقَهَاء فِيهِ، وَقد تقرر أَن هَذِه الزِّيَادَة من نَفْس الحَدِيث، وَمن الدَّلِيل الْوَاضِح عَلَى ضعفه أَيْضا حَدِيث مَيْمُونَة الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ الَّذِي تقدم فِي الْبَاب قَرِيبا حَيْثُ «أُتِي بِخرقَة فَلم يردهَا وَجعل ينفض المَاء بِيَدِهِ».
هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب، وَذكر فِيهِ من الْآثَار أثرين:
أَحدهمَا: عَن عَلّي- كرم الله وَجهه- أَنه قَالَ: «مَا أُبَالِي بيميني بدأت أم بشمالي إِذا أكملت الْوضُوء».
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد الوَاسِطِيّ، نَا مُوسَى بن إِسْحَاق، نَا أَبُو بكر، نَا مُعْتَمر بن سُلَيْمَان، عَن عَوْف، عَن عبد الله بن عَمْرو بن هِنْد قَالَ: قَالَ عَلّي: «مَا أُبَالِي إِذا أتممت وضوئي بِأَيّ أعضائي بدأت».
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته وسنَنه: هَذَا مُنْقَطع. قَالَ: وَرَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل عَن الْأنْصَارِيّ عَن عَوْف عَن عبد الله بن عَمْرو بن هِنْد قَالَ: قَالَ عَلّي «مَا أُبَالِي بِأَيّ أعضائي بدأت إِذا أتممت الْوضُوء».
قَالَ عَوْف: وَلم يسمعهُ من عَلّي- يَعْنِي: عبد الله بن عَمْرو بن هِنْد-
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: ثمَّ إِن هَذَا مُطلق وَأَظنهُ أَرَادَ مَا رُوِيَ عَن زِيَاد مولَى بني مَخْزُوم قَالَ: «قيل لعَلي رَضي اللهُ عَنهُ: إِن أَبَا هُرَيْرَة يبْدَأ بميامنه فِي الْوضُوء! فَدَعَا بِمَاء فَتَوَضَّأ بمياسره».
قلت: وَزِيَاد هَذَا فِيهِ مقَال، قَالَ فِيهِ يَحْيَى بن معِين: لَا شَيْء.
وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا بِإِسْنَادِهِ عَن زِيَاد قَالَ: قَالَ عَلّي: «مَا أُبَالِي لَو بدأت بالشمال قبل الْيَمين إِذا تَوَضَّأت». وَفِي رِوَايَة لَهُ: «جَاءَ رجل إِلَى عَلّي بن أبي طَالب فَسَأَلَهُ عَن الْوضُوء، فَقَالَ: ابدأ بِالْيَمِينِ قبل الشمَال فأضرط عَلّي بِهِ ثمَّ دَعَا بِمَاء فَبَدَأَ بالشمال قبل الْيَمين». وَفِي رِوَايَة لَهُ: «سَأَلَ رجل عليًّا: أبدأ بشمالي قبل يَمِيني فِي الْوضُوء؟ فأضرط بِهِ عَلّي، ثمَّ دَعَا بِمَاء فَبَدَأَ بِشمَالِهِ قبل يَمِينه».
قلت: وَرُوِيَ مثل ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن أبي العبيدين- عَلّي صِيغَة تَصْغِير عَبْدَيْنِ- عَن عبد الله بن مَسْعُود «أَنه سُئِلَ عَن رجل تَوَضَّأ فَبَدَأَ بمياسره فَقَالَ: لَا بَأْس بِهِ».
قَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة: سَأَلت يَحْيَى بن معِين عَن أبي العبيدين، فَقَالَ: اسْمه: مُعَاوِيَة بن سُبْرَة، وَهُوَ ثِقَة.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا عَن مُجَاهِد عَنهُ أَنه قَالَ: «لَا بَأْس أَن تبدأ بِرِجْلَيْك قبل يَديك» قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَذَا مُرْسل.
الْأَثر الثَّانِي: عَن ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهما «أَنه كَانَ يتَوَضَّأ فِي سوق الْمَدِينَة فدعي إِلَى جَنَازَة وَقد بَقِي من وضوءه فرض الرجلَيْن، فَذهب مَعهَا إِلَى الْمُصَلى ثمَّ مسح عَلَى خفيه، وَكَانَ لابسًا».
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث مَالك بن أنس رَضي اللهُ عَنهُ وعنى بِهِ فِي موطئِهِ- الَّذِي قَالَ فِيهِ إمامنا الشَّافِعِي: أَنه أصح كتاب بعد كتاب الله تَعَالَى- عَن نَافِع «أَن عبد الله بن عمر بَال بِالسوقِ، ثمَّ تَوَضَّأ فَغسل وَجهه وَيَديه، ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ، ثمَّ دَعَا بِجنَازَة ليُصَلِّي عَلَيْهَا حِين دخل الْمَسْجِد، فَمسح عَلَى خفيه ثمَّ صَلَّى عَلَيْهَا».
وَهَذَا الْإِسْنَاد لَا يشْتَبه عَلَى أحد صِحَّته، وَيُسمى هَذَا الْإِسْنَاد: سلسلة الذَّهَب مَالك، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر؛ بل هُوَ أصح الْأَسَانِيد مُطلقًا عَلَى قَول إِمَام هَذَا الْفَنّ البُخَارِيّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هَذَا أصح الْأَسَانِيد: الشَّافِعِي، عَن مَالك، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقد أخرجه عَنهُ الشَّافِعِي فِي الْبُوَيْطِيّ، وَفِي الْأُم أَيْضا فِي كتاب اخْتِلَاف مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي بَاب نوم الْجَالِس، وَذكر فِي الْأُم فِي كتاب اخْتِلَاف أبي حنيفَة وَابْن أبي لَيْلَى فِي بَاب صَلَاة الْخَوْف أَنه رُوِيَ عَن ابْن عمر «أَنه تَوَضَّأ وَخرج إِلَى السُّوق ثمَّ دعِي بِجنَازَة، فَمسح عَلَى خفيه وصَلَّى».
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه: هَذَا الْأَثر صَحِيح عَن ابْن عمر، مَشْهُور بِهَذَا اللَّفْظ، قَالَ النَّوَوِيّ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: وَهُوَ دَلِيل حسن لمن لم يُوجب الْمُوَالَاة؛ فَإِن ابْن عمر فعله بِحَضْرَة حاضري الْجِنَازَة وَلم يُنكر عَلَيْهِ، وَرَأَيْت فِي الْبَيَان للعمراني- من أَصْحَابنَا- أَن ابْن عمر رَوَى ذَلِك من فعل رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سَوَاء، وَعَزاهُ بَعضهم إِلَى الْبَغَوِيّ، وَلم أر هَذَا فِي كتاب حَدِيث، وَإِنَّمَا نعرفه من فعل ابْن عمر فَليتبعْ.
وَأما البُخَارِيّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- فَإِنَّهُ علق أثر ابْن عمر هَذَا بِصِيغَة التمريض ذكره بِلَفْظ آخر؛ فَإِنَّهُ قَالَ: بَاب تَفْرِيق الْوضُوء وَالْغسْل. وَيذكر عَن ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهُ «أَنه غسل قَدَمَيْهِ بَعْدَمَا جف وضوءه» كَذَا ذكره بِلَفْظ «غسل» بدل «مسح» وَالدّلَالَة حَاصِلَة أَيْضا بِهِ.
وَتبع ابنُ الرّفْعَة صاحبَ الْبَيَان فَذكره مَرْفُوعا ثمَّ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِي: وَبَين ذَهَابه من السُّوق إِلَى الْمَسْجِد تَفْرِيق كثير قَالَ: وَقد رُوِيَ ذَلِك مَوْقُوفا عَلَى ابْن عمر، وَهَذَا قد يُؤذن بِأَن الشَّافِعِي رَوَاهُ مَرْفُوعا، وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ مَوْقُوفا كَمَا سلف.
ولنختم الْبَاب بخاتمتين مهمتين:
أَحدهمَا:
قَالَ الإِمَام الرَّافِعِيّ: من السّنَن أَن يحافظ عَلَى الدَّعْوَات الْوَارِدَة فِي الْوضُوء فَيَقُول فِي غسل الْوَجْه: اللَّهُمَّ بيض وَجْهي يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه. وَعند غسل الْيَد الْيُمْنَى: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كتابي بيميني وحاسبني حسابا يَسِيرا. وَعند غسل الْيَد الْيُسْرَى: اللَّهُمَّ لَا تعطني كتابي بشمالي وَلَا من وَرَاء ظَهْري. وَعند مسح الرَّأْس: اللَّهُمَّ حرم شعري وبشري من النَّار- وَرُوِيَ: اللَّهُمَّ احفظ رَأْسِي وَمَا حوى وبطني وَمَا وعى. وَفِي الْإِحْيَاء يَقُول: اللَّهُمَّ غشني بِرَحْمَتك وَأنزل عليَّ من بركاتك، وأظلني تَحت عرشك يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظلك- وَعند مسح الْأُذُنَيْنِ: اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه. وَعند غسل الرجلَيْن: اللَّهُمَّ ثَبت قدمي عَلَى الصِّرَاط يَوْم تزل فِيهِ الْأَقْدَام. قَالَ الرَّافِعِيّ: ورد بهَا الْأَثر عَن السّلف الصَّالِحين. انْتَهَى مَا أوردهُ الرَّافِعِيّ.
وَقَالَ الرَّوْيَانِيّ: يَقُول عِنْد غسل الْيَدَيْنِ: اللَّهُمَّ احفظ يَدي من مَعَاصِيك كلهَا. وَيَقُول عِنْد الْمَضْمَضَة: اللَّهُمَّ أجر عَلَى لساني الصدْق وَالصَّوَاب وَمَا ينفع النَّاس- وَقَالَ صَاحب الْإِحْيَاء: يَقُول: اللَّهُمَّ أَعنِي عَلَى تِلَاوَة كتابك وَكَثْرَة الذّكر لَك. وَقَالَ غَيرهمَا: يَقُول: اللَّهُمَّ اسْقِنِي من حَوْض نبيك كأسًا لَا أظمأ بعده أبدا وَيَقُول عِنْد الِاسْتِنْشَاق: اللَّهُمَّ لَا تحرمني رَائِحَة نعيمك وجناتك، اللَّهُمَّ أوجدني رَائِحَة الْجنَّة وَأَنت عني رَاض. وَعند الاستنثار: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من رَوَائِح النَّار وَسُوء الدَّار. وَيَقُول عِنْد مسح الْعُنُق: اللَّهُمَّ فك رقبتي من النَّار وَأَعُوذ بك من السلَاسِل والأغلال. إِذا تقرر ذَلِك قَالَ النَّوَوِيّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي الرَّوْضَة: وَهَذَا الدُّعَاء لَا أصل لَهُ، وَلم يذكرهُ الشَّافِعِي وَالْجُمْهُور. وَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب: هَذَا الدُّعَاء لَا أصل لَهُ، وَذكره كَثِيرُونَ من الْأَصْحَاب وَلم يذكرهُ المتقدمون، وَزَاد فِيهِ الْمَاوَرْدِيّ فَقَالَ: «يَقُول عِنْد الْمَضْمَضَة: اللَّهُمَّ اسْقِنِي من حَوْض نبيك كأسًا لَا أظمأ بعده. وَعند الِاسْتِنْشَاق: اللَّهُمَّ لَا تحرمني رَائِحَة نعيمك وجناتك» وَكَذَا قَالَ فِي غَيرهمَا من كتبه أَن هَذَا الدُّعَاء لَا أصل لَهُ.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْمُهَذّب: الدُّعَاء عَلَى أَعْضَاء الْوضُوء لم يَصح فِيهِ حَدِيث. وَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط بعد قَول الْغَزالِيّ: «أَنه ورد فِي ذَلِك أَخْبَار دَالَّة عَلَى كَثْرَة فَضِيلَة الْأَدْعِيَة عَلَى الْأَعْضَاء»: لَا يَصح فِيهَا حَدِيث.

.[الدُّعَاء عَلَى أَعْضَاء الْوضُوء]:

وَاعْلَم- رحمنا الله وَإِيَّاك وهدانا لطاعته- أَنه ورد فِي الدُّعَاء عَلَى أَعْضَاء الْوضُوء عدَّة أَحَادِيث:

.أَحدهَا:

عَن عَلّي بن أبي طَالب- كرم الله وَجهه- وَله طرق أَحدهَا: عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي رَفعه إِلَى عَلّي بن أبي طَالب- كرم الله وَجهه- قَالَ: «عَلمنِي رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَلِمَات أقولهن عِنْد الْوضُوء فَلم أنسهن، كَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أُتِي بِمَاء فَغسل كفيه ثمَّ قَالَ: بِسم الله الْعَظِيم، وَالْحَمْد لله عَلَى الْإِسْلَام، اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين واجعلني من المتطهرين، واجعلني من الَّذين إِذا أَعطيتهم شكروا، وَإِذا ابتليتهم صَبَرُوا. فَإِذا غسل فرجه قَالَ: اللَّهُمَّ حصن فَرجي ثَلَاثًا وَإِذا تمضمض قَالَ: اللَّهُمَّ أَعنِي عَلَى تِلَاوَة كتابك وذكرك. وَإِذا استنشق قَالَ: اللَّهُمَّ أرحني رَائِحَة الْجنَّة. وَإِذا غسل وَجهه قَالَ: اللَّهُمَّ بيض وَجْهي يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه. وَإِذا غسل يَمِينه قَالَ: اللَّهُمَّ آتني كتابي بيميني وحاسبني حسابا يَسِيرا. وَإِذا غسل شِمَاله قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تعطني كتابي بشمالي وَلَا من وَرَاء ظَهْري. وَإِذا مسح رَأسه قَالَ: اللَّهُمَّ غشني بِرَحْمَتك. وَإِذا مسح أُذُنَيْهِ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه. وَإِذا غسل رجلَيْهِ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ سعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا وتجارة لن تبور. ثمَّ رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي رَفعهَا بِغَيْر عمد. قَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَالْملك قَائِم عَلَى رَأسه يكْتب مَا يَقُول فِي ورقة ثمَّ يختمه، فيرفعه فيضعه تَحت الْعَرْش فَلَا يفك خَاتمه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة».
ذكر هَذِه الطَّرِيق الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام فَقَالَ: عَن أبي الْفضل مُحَمَّد بن نعيم بن عَلّي البُخَارِيّ، نَا أَبُو الْقَاسِم أَحْمد بن حم الصفار اللَّخْمِيّ، ثَنَا أَبُو مقَاتل سُلَيْمَان بن الْفضل، ثَنَا أَحْمد بن مُصعب الْمروزِي، ثَنَا حبيب بن أبي حبيب الشَّيْبَانِيّ، ثَنَا أَبُو إِسْحَاق السبيعِي فَذكره.
قَالَ الشَّيْخ: وَأَبُو إِسْحَاق السبيعِي عَن عَلّي مُنْقَطع، وَفِي إِسْنَاده غير وَاحِد يحْتَاج إِلَى مَعْرفَته والكشف عَن حَاله.
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن عَلّي بن أبي طَالب- كرم الله وَجهه- قَالَ: «عَلمنِي رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَوَاب الْوضُوء فَقَالَ: يَا عَلّي، إِذا قربت وضوءك فَقل: بِسم الله الْعَظِيم...» مثل الطَّرِيق الَّتِي قبله إِلَّا أَنه لم يقل فِيهَا «واجعلني من التوابين» وَقَالَ: «إِذا غسلت رجليك فَقل: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ سعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا وَعَملا متقبلاً، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك لَا إِلَه إِلَّا أَنْت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك، اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين المتطهرين، وَالْملك قَائِم عَلَى رَأسه يكْتب مَا يَقُول، ثمَّ يختمه بِخَاتم، ثمَّ يعرج بِهِ إِلَى السَّمَاء، فيضعه تَحت عرش الرَّحْمَن، فَلَا يفك ذَلِك الْخَاتم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة».
ذكره أَبُو الْعَبَّاس الْحَافِظ جَعْفَر بن مُحَمَّد المستغفري فِي كِتَابه الدَّعْوَات كَمَا أَفَادَهُ صَاحب الإِمام ثمَّ رَأَيْته بعد ذَلِك فِيهِ- من حَدِيث القَاضِي أبي سعيد الْخَلِيل بن أَحْمد، أبنا أَبُو عَمْرو التمار مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن، ثَنَا الْحُسَيْن بن حميد، ثَنَا الْحُسَيْن بن الْحسن الْمروزِي نَا المغيث بن بديل، عَن خَارِجَة، عَن يُونُس، عَن الْحسن الْبَصْرِيّ عَن عَلّي.
وَرَوَاهُ المستغفري أَيْضا عَن الْحسن بن عبد الله بن عمر، عَن أَحْمد بن أحيد، عَن صَالح بن مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ، عَن عُثْمَان بن غياث، عَن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس، عَن المغيث، عَن خَارِجَة بِإِسْنَادِهِ نَحوه.
قلت: وَهَذَا مُرْسل أَيْضا؛ لِأَن عليًّا رَضي اللهُ عَنهُ خرج إِلَى الْعرَاق عقب بيعَته، وَأقَام الْحسن الْبَصْرِيّ بِالْمَدِينَةِ فَلم يلقه بعد ذَلِك. قَالَه أَبُو زرْعَة وَغَيره.
الطَّرِيق الثَّالِث: عَن مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة قَالَ: «دخلت عَلَى وَالِدي عَلّي بن أبي طَالب وَإِذا عَن يَمِينه إِنَاء من مَاء، فَسَمَّى ثمَّ سكب عَلَى يَمِينه، ثمَّ استنجى وقَالَ: اللَّهُمَّ حصن فَرجي، واستر عورتي، وَلَا تشمت بِي الْأَعْدَاء. ثمَّ تمضمض واستنشق وَقَالَ: اللَّهُمَّ لقني حجتي وَلَا تحرمني رَائِحَة الْجنَّة. ثمَّ غسل وَجهه وَقَالَ: اللَّهُمَّ بيض وَجْهي يَوْم تسود الْوُجُوه وَلَا تسود وَجْهي يَوْم تبيض الْوُجُوه. ثمَّ سكب عَلَى يَمِينه وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كتابي بيميني والخلد بشمالي ثمَّ سكب عَلَى شِمَاله وَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تعطني كتابي بشمالي وَلَا تجعلها مغلولة إِلَى عنقِي. ثمَّ مسح رَأسه وَقَالَ: اللَّهُمَّ غَشنَا بِرَحْمَتك؛ فَإنَّا نخشى عذابك، اللَّهُمَّ لَا تجمع بَين نواصينا وأقدامنا. ثمَّ مسح عُنُقه وَقَالَ: اللَّهُمَّ نجنا من مفظعات النيرَان وأغلالها. ثمَّ غسل قَدَمَيْهِ ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ثَبت قدمي عَلَى الصِّرَاط يَوْم تزل فِيهِ الْأَقْدَام. ثمَّ اسْتَوَى قَائِما ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ كَمَا طهرتنا بِالْمَاءِ فطهرنا من الذُّنُوب. ثمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا يقطر المَاء من أنامله، ثمَّ قَالَ: يَا بني، افْعَل كفعلي هَذَا؛ فَإِنَّهُ مَا من قَطْرَة تقطر من أناملك إِلَّا خلق الله مِنْهَا ملكا يسْتَغْفر الله لَك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَيكون تَسْبِيح ذَلِك الْملك لَك يَوْم الْقِيَامَة يَا بني، من فعل كفعلي هَذَا تساقطت عَنهُ الذُّنُوب كَمَا يتساقط الْوَرق من الشّجر يَوْم الرّيح العاصف».
رَوَاهُ حَافظ الشَّام ومؤرخها أَبُو الْقَاسِم عَلّي بن الْحسن بن هبة الله الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بِابْن عَسَاكِر فِي أَمَالِيهِ من حَدِيث أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن مَنْصُور بن يزِيد الْمُقْرِئ، نَا دَاوُد بن سُلَيْمَان، عَن شيخ من أهل الْبَصْرَة يكنى أَبَا الْحسن، عَن أَصْرَم بن حَوْشَب الهمذاني، عَن أبي عَمْرو بن قُرَّة، عَن أبي جَعْفَر الْمرَادِي، عَن مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة... فَذكره عَنهُ.
وَذكره عَنهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام وَسكت عَلَيْهِ، وَذكره أَيْضا الْحَافِظ قطب الدَّين بن الْقُسْطَلَانِيّ فِي كِتَابه الموسوم بالأدوية الشافية فِي الْأَدْعِيَة الكافية.
قلت: لَكِن أَصْرَم بن حَوْشَب الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده هُوَ قَاضِي همذان وَهُوَ هَالك. قَالَ يَحْيَى: كَذَّاب خَبِيث. وَقَالَ خَ، م، س: مَتْرُوك.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ السَّعْدِيّ: ضَعِيف. وَقَالَ ابْن حبَان: كَانَ يضع الحَدِيث عَلَى الثِّقَات. وَقَالَ الفلاس: مَتْرُوك يُرْمَى بالإرجاء.
الطَّرِيق الرَّابِع: عَن عَلّي رَضي اللهُ عَنهُ «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ: يَا عَلّي، إِذا تَوَضَّأت فَقل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك تَمام الْوضُوء وَتَمام مغفرتك ورضوانك».
ذكره الْحَافِظ قطب الدَّين بن الْقُسْطَلَانِيّ فِي الْكتاب الْمَذْكُور، وَفِي رِوَايَة لَهُ «يَا عَلّي إِذا تَوَضَّأت فَقل: بِسم الله وَالصَّلَاة عَلَى رَسُول الله».
ورأيته بعد من حَدِيث جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه، عَن الْحسن بن عَلّي، عَن عَلّي قَالَ: «أَوْصَانِي رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِوَصِيَّة....» فَذكرهَا بِطُولِهَا، وَذكر هَذَا فِي آخرهَا.

.الحديث الثَّانِي:

عَن أنس رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ: «دخلت عَلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَين يَدَيْهِ إِنَاء من مَاء فَقَالَ لي: يَا أنس، ادن مني أعلمك مقادير الْوضُوء. فدنوت من رَسُول الله، فَلَمَّا أَن غسل يَدَيْهِ قَالَ: بِسم الله وَالْحَمْد لله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم فَلَمَّا استنجى قَالَ: اللَّهُمَّ حصن فَرجي وَيسر لي أَمْرِي. فَلَمَّا أَن تمضمض واستنشق قَالَ: اللَّهُمَّ لقني حجتي وَلَا تحرمني رَائِحَة الْجنَّة. فَلَمَّا أَن غسل وَجهه قَالَ: اللَّهُمَّ بيض وَجْهي يَوْم تبيض الْوُجُوه. فَلَمَّا أَن غسل ذِرَاعَيْهِ قَالَ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كتابي بيميني. فَلَمَّا أَن مسح يَدَيْهِ عَلَى رَأسه قَالَ: اللَّهُمَّ غَشنَا بِرَحْمَتك وجنبنا عذابك. فَلَمَّا أَن غسل قَدَمَيْهِ قَالَ: اللَّهُمَّ ثَبت قدمي يَوْم تَزُول فِيهِ الْأَقْدَام. ثمَّ قَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نبيًّا مَا من عبد قَالَهَا عِنْد وضوئِهِ لم يقطر من خلل أَصَابِعه قَطْرَة إِلَّا خلق الله مِنْهَا ملكا يسبح الله- عَزَّ وجَلَّ- بسبعين لِسَانا، يكون ثَوَاب ذَلِك التَّسْبِيح لَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة».
رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي تَارِيخ الضُّعَفَاء عَن يَعْقُوب بن إِسْحَاق، ثَنَا أَحْمد بن هَاشم الْخَوَارِزْمِيّ، ثَنَا عباد بن صُهَيْب، عَن حميد الطَّوِيل، عَن أنس... فَذكره. وَذكره أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه الْعِلَل المتناهية فِي الْأَحَادِيث الْوَاهِيَة عَن ابْن خيرون، عَن الْجَوْهَرِي، عَن الدَّارَقُطْنِيّ، عَن ابْن حبَان بِهِ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث لَا يَصح وَقد اتهمَ بِهِ أَبُو حَاتِم بن حبَان عباد بن صُهَيْب، واتهم بِهِ الدَّارَقُطْنِيّ أَحْمد بن هَاشم.
فَأَما عباد بن صُهَيْب، فَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: ذهب حَدِيثه. وَقَالَ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ: مَتْرُوك. وَقَالَ ابْن حبَان: يروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير حَتَّى إِذا سَمعهَا الْمُبْتَدِئ شهد لَهَا بِالْوَضْعِ. قلت: لَكِن قَالَ أَبُو دَاوُد: صَدُوق قدري. وَقَالَ أَحْمد: مَا كَانَ بِصَاحِب كذب. وَأما أَحْمد بن هَاشم: فَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: يَكْفِيهِ اتهام الدَّارَقُطْنِيّ. قلت: وَثَّقَهُ الْحَاكِم.

.الحديث الثَّالِث:

عَن الْبَراء بن عَازِب رَضي اللهُ عَنهُ عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: «مَا من عبد يَقُول حِين يتَوَضَّأ: بِسم الله، ثمَّ يَقُول لكل عُضْو: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله. ثمَّ يَقُول حِين يفرغ: اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين واجعلني من المتطهرين. إِلَّا فتحت لَهُ ثَمَانِيَة أَبْوَاب من الْجنَّة يدْخل من أَيهَا شَاءَ؛ فَإِن قَامَ من فوره ذَلِك فَصَلى رَكْعَتَيْنِ يقْرَأ فيهمَا وَيعلم مَا يَقُول انْفَتَلَ من صلَاته كَيَوْم وَلدته أمه، ثمَّ يُقَال لَهُ: اسْتَأْنف الْعَمَل».
أخرجه المستغفري- كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام ثمَّ رَأَيْته بعد فِيهِ- عَن أبي الْعَبَّاس جَعْفَر بن مُحَمَّد الْمَكِّيّ، عَن أبي بكر مُحَمَّد بن حَامِد بن حَفْص البيكندي، عَن أبي مُحَمَّد إِسْحَاق بن حَمْزَة بن يُوسُف بن فروخ، عَن عِيسَى بن مُوسَى غُنْجَار، عَن أبي حَمْزَة عبد الله بن مُسلم، عَن سَالم بن أبي الْجَعْد، عَن الْبَراء. ثمَّ قَالَ المستغفري: حَدِيث حسن غَرِيب.

.الحديث الرَّابِع:

عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ: «أتيت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِوضُوء فَتَوَضَّأ فَسَمعته يَدْعُو يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذُنُوبِي، ووسع لي فِي دَاري، وَبَارك لي فِي رِزْقِي. فَقلت: يَا نَبِي الله، لقد سَمِعتك تَدْعُو بِكَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: وَهل تراهن تركن من شَيْء».
رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَصَاحبه ابْن السّني فِي كِتَابَيْهِمَا عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْأَذْكَار: وَإِسْنَاده صَحِيح. وَهُوَ كَمَا قَالَ فَإِن رِجَاله رجال الصَّحِيح خلا عباد بن عباد بن عَلْقَمَة، وَهُوَ ثِقَة كَمَا قَالَه أَبُو دَاوُد وَيَحْيَى بن معِين، وَذكره أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي ثقاته.
وَهَذَا الذّكر يحْتَمل أَن يكون قَالَه بَين ظهراني وضوئِهِ أَو بعده، وَقد بوّب الْحفاظ لَهُ عَلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا.
وَفِي المعجم الصَّغِير للطبراني من حَدِيث عَلّي بن ثَابت، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «يَا أَبَا هُرَيْرَة، إِذا تَوَضَّأت فَقل: بِسم الله وَالْحَمْد لله؛ فَإِن حفظتك لَا تستريح، تكْتب لَك الْحَسَنَات حَتَّى تحدث من ذَلِك الْوضُوء».
قَالَ الطَّبَرَانِيّ: لم يروه عَن عَلّي بن ثَابت أخي عزْرَة بن ثَابت إِلَّا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْبَصْرِيّ تفرد بِهِ عَمْرو بن أبي سَلمَة.
وَفِي التَّلْخِيص لِلْحَافِظِ أبي بكر الْخَطِيب، عَن أنس بن مَالك قَالَ: «من قَرَأَ {قل هُوَ الله أحد} مِائَتي مرّة عَلَى وضوئِهِ فِيمَا بَينه وَبَين نَفسه، يعلم قلبه أَن الَّذِي يَقُوله حق، وَيبدأ بِفَاتِحَة الْكتاب يغْفر لَهُ ذَنْب خمسين سنة، إِلَّا الدِّمَاء وَالْأَمْوَال، وَيرْفَع لَهُ من عمله يَوْمئِذٍ عمل الصّديق، وَله بِكُل مرّة مِنْهَا بَيت فِي الْجنَّة عرضه فَرسَخ وَطوله فِي السَّمَاء ميل».
فَهَذِهِ أَحَادِيث وَارِدَة عَن سيدنَا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعْضهَا ضَعِيف، وَبَعضهَا شهد لَهُ بالْحسنِ المستغفري، وَبَعضهَا لَا أعلم بِهِ بَأْسا، فَكيف يَقُول الشَّيْخ محيي الدَّين- رَحِمَهُ اللَّهُ- لَا أصل لَهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَقد أَتَى بِعِبَارَة فِي كتاب الْأَذْكَار يزِيد فِي الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ فَقَالَ: الدُّعَاء الْوَارِد عَلَى أَعْضَاء الْوضُوء لم يَجِيء فِيهِ شَيْء عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد قَالَ الْفُقَهَاء: يسْتَحبّ فِيهِ دعوات جَاءَت عَن السّلف. هَذَا لَفظه بِحُرُوفِهِ- سامحنا الله وإياه- وَقد نَص الْعلمَاء رَضي اللهُ عَنهم عَلَى أَنه يتَسَامَح فِي الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي فَضَائِل الْأَعْمَال. ذكر الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي كِتَابه الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ فِي أول كتاب الدُّعَاء بِإِسْنَادِهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي قَالَ: إِذا روينَا عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْحَلَال وَالْحرَام وَالْأَحْكَام شددنا فِي الْأَسَانِيد وانتقدنا الرِّجَال، وَإِذا روينَا فِي فَضَائِل الْأَعْمَال وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب والمباحات والدعوات تساهلنا فِي الْأَسَانِيد.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح: نقاد أهل الحَدِيث يتسامحون فِي أَسَانِيد الرغائب والفضائل. وَالْعجب أَن النَّوَوِيّ مِمَّن نقل ذَلِك عَن الْعلمَاء؛ فَقَالَ فِي كتاب الْأَذْكَار- وَغَيره من كتبه-: قَالَ الْعلمَاء من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء وَغَيرهم: يجوز وَيسْتَحب الْعَمَل فِي الْفَضَائِل وَالتَّرْغِيب والترهيب بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف مَا لم يكن مَوْضُوعا، وَأما الْأَحْكَام كالحلال وَالْحرَام وَالْبيع وَالنِّكَاح وَالطَّلَاق وَغير ذَلِك؛ فَلَا يعْمل فِيهَا إِلَّا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح أَو الْحسن إِلَّا أَن يكون فِي الِاحْتِيَاط شَيْء من ذَلِك، كَمَا إِذا ورد حَدِيث ضَعِيف بِكَرَاهَة بعض الْبيُوع أَو الْأَنْكِحَة؛ فَإِن الْمُسْتَحبّ أَن يتنزه عَنهُ ولَكِن لَا يجب.
هَذَا لَفظه برمتِهِ فِي كِتَابه الْأَذْكَار، وَيُمكن أَن يُجَاب عَن كَلَامه الْمُتَقَدّم بِأَن هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي أوردناها غَرِيبَة عزيزة فِي خبايا وزوايا، وَلَيْسَت فِي كتب السّنَن وَالْمَسَانِيد الْمَشْهُورَة؛ فلأجل ذَلِك قَالَ مَا قَالَ، رحمنا الله وإياه.
الخاتمة الثَّانِيَة:
قَالَ الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ: